ابراهيم بن عمر البقاعي

16

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

عقول الخلق ، ولا تدركه أبصارهم ، وتعرف لهم فيما تعرف بمثل من أنفسهم ، فكأن المحكم للعمل والمتشابه لظهور العجز ، فكان لذلك حرف المحكم أثبت الحروف عملا ، وحرف المتشابه أثبت الحروف إيمانا ، واجتمعت على إقامته الكتب الثلاث ، واختلفت في الأربع اختلافا كثيرا فاختلف حلالها وحرامها وأمرها ونهيها ، واتفق على محكمها ومتشابهها - انتهى . فبين سبحانه وتعالى بهذا أنه كما يفعل الأفعال المتشابهة - مثل تصوير عيسى عليه الصلاة والسّلام من غير نطفة ذكر ، مع إظهار الخوارق على يديه لتبين الراسخ في الدين من غيره - كذلك يقول الأقوال المتشابهة ، وأنه فعل في هذا الكتاب ما فعل في غيره من كتبه من تقسيم آياته إلى محكم ومتشابه ابتلاء لعباده ليبين فضل العلماء الراسخين الموقنين بأنه من عنده ، وأن كل ما كان من عند اللّه سبحانه وتعالى فلا اختلاف فيه في نفس الأمر ، لأن سبب الاختلاف الجهل أو العجز ، وهو سبحانه وتعالى متعال جده منزه قدره عن شيء من ذلك ، فبين فضلهم بأنهم يؤمنون به ، ولا يزالون يستنصرون منه سبحانه وتعالى فتح المنغلق وبيان المشكل حتى يفتحه عليهم بما يرده إلى المحكم ، وهذا على وجه يشير إلى المهمة الذي تاه فيه النصارى ، والتيه الذي ضلوا فيه عن المنهج ، واللج الذي أغرق جماعاتهم ، وهو المتشابه الذي منه أنهم زعموا أن عيسى عليه الصلاة والسّلام كان يقول له القائل : يا رب ! افعل لي كذا - ويسجد له ، فيقره على ذلك ويجيب سؤاله ، فدل ذلك على أنه إله ، ومنه إطلاقه على اللّه سبحانه وتعالى أبا وعلى نفسه أنه ابنه ، فابتغوا الفتنة فيه واعتقدوا الأبوة والبنوة على حقيقتهما ولم يردوا ذلك إلى المحكم الذي قاله لهم فأكثر منه ، كما أخبر عنه أصدق القائلين سبحانه وتعالى في الكتاب المتواتر الذي حفظه من التحريف والتبديل : لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [ فصلت : 42 ] ، وهو إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا [ مريم : 30 ، 31 ] ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ [ المائدة : 117 ] إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ [ مريم : 51 ] ، هذا مما ورد في كتابنا الذي لم يغيروا ما عندهم فإن كانوا قد بدلوه فقد بقي - وللّه الحمد - منه في الأناجيل الأربعة التي بين أظهرهم الآن في أواخر هذا القرن التاسع من المحكم ما يكفي في رد المتشابه إليه ، ففي إنجيل لوقا أن جبريل عليه الصلاة والسّلام ملاك الرب لما تبدى لمريم مبشرا بالمسيح عليه السّلام وخافت منه قال لها : لا تخافي يا مريم ظفرت بنعمة من عند اللّه سبحانه وتعالى ، وأنت تقبلين حبلا وتلدين ابنا يدعى يسوع ، يكون عظيما ، وابن العذراء يدعى ؛ ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه ؛ وفي إنجيله أيضا وإنجيل متى أن عيسى عليه